"نسفبيس" مدينة عشقت التاريخ منذ القديم، ارتبطت به فراحت تنسج قصة عشقها الأبدي عبر العصور و الأزمان، و مع ذلك فان الاهتمام التاريخي اليوم بمدينة "نقاوس" قليل ما قورنت بمناطق أخرى من الجزائر، رغم أنها لا تقل عنها أهمية في تاريخها و قدمها .ولعل ذلك إلى جانب ما اشتهرت به منذ القديم بوفرة مياهها و كثرة بساتينها هو الذي دفع بالكثير من الرحالة العرب و المستشرقين و المؤرخين أمثال "ابن حوقل" اليعقوبي ، ليون الافريقي، الادريسي ، بلان، شو،جزال،ورينيه....الخ إلى عدم اغفالها عند التطرق إلى تاريخ الجزائر.
و لا تزال عروس الأوراس وفية تحتفظ بشكلها القديم الجميل رغم بصمات الحضارة ، على بعد 400 كلم من العاصمة ..اليوم لم يبقى فيها ما يدل على هذا الموقع الذي عرفت فيه "نسفبيس" NICIVIBUS أزهى أيامنا أثناء العهد الروماني و البيزنطي و كذا خلال العهد الاسلامي سيما في القرن السابع إلى التاسع، سوى بقايا أطلال مطمورة تحت التراب، تنتظر دراسات و حفريات جادة تخرجها من تحت الردم و الأنقاض. تفترش مدينة "نقاوس" سهلا فسيحا باطنه التاريخ و ظاهره العطاء الطبيعي الوفير على مساحة تقدر بـ 80.45 كلم مربع، تحف بها مرتفعات جبلية من الغرب و الشرق تتميز بانحداراتها الشديدة و هي تكاد تمثل و ما حولها تكوينا جيولوجيا واحدا و جغرافية متميزة. فهناك جبل أولاد سلطان الذي يفصلها عن عين التوتة و قطيان الذي يفصل بينها و بين بلدية القصبات. عروس الأوراس تعرفها دون أن تزورها فهي ليست خدعة سينمائية من ابتكارات " وولت ديزني" كما يبدو للمشاهد من خلال الاشرطة و الروبرتجات التلفزيونية نظرا لمناظرها الجميلة ..هي ليست مدينة فقط .. بل حديقة لمساحة هائلة لبساتين المشمش و الزيتون و جداول المياه الرقراقة العذبة تبحث عن مصمم بارع أو مهندس متمكن في الحركات البنائية الفنية الملائمة، يعمل بالتنسيق مع السلطات و الدوائر المعنية لغرض تجسيد البعد السياحي لها ضمن نموذج جمالي خاص يميزها في شكل لوحة انطباعية جذابة. معاصر الزيتون و منازل تقليدية تحفظ عبق قورن من الزمن ترتكز على بصمات حضارية و تتوسد رسوماتو نقوش ليست أثرية بل لتؤكد عراقة تاريخ هذه المنطقة بسكانها 22954 ساكنا تحفـــظ لـــوح الجـــــــلال نقاوس اليوم مجموع قرى متلاصقة ، هادئة مرحة و ساحرة تسوي رشاقتها على ايقاع – إيفن لاندن-و-نسطاز-و-الجينز- و تنتعش من مشروبات "نقاوس الثمرية" ذات الجودة العالمية. و هي لم تبهر فقط الرحالة و المستشرقين السالف ذكرهم بل أيضا "أحمد باي" الذي وارى أمه "رقية" ثراها الطاهر و "ابن خلدون" الذي حاكى طبيعتها فكتب عن جمالها و ذكر محاسنها و جمال نباتات المدينة انذاك..الذاكرة الشعبية تخزن الكثير..نقوش كثيرة و ديارها حبلى بالقصص التاريخية و الاساطير. يتصف سكانها بحسن معشرهم وكرمهم، و الزراعة والاهتمام بالبستنة سيما انتاج المشمش و الزيتون، هما مهنة الأجداد و الجيل أيضا .. او ليس هناك جمل مما ذكره عنها "ليون الافريقي"- الحسن الوزاني الفاسي- من وصف وتدقيق ضمن كتابه "وصف افريقيا" حيث أوردها على هذه الصور: (نقاوس مدينة تتاخم نوميديا و بناها الرومان على بعد نحو مائة و ثمانين ميلا من البحر المتوسط و ثمانين ميلا من المسيلة ، تحيط بها أسوار مبنية عتيقة و يجري قربها نهر ينبت على ضفافه شجر التين و الجوز، و تين البلاد يشتهر بأنه أجود تين في مملكة تونس، و يحمل إلى قسنطينة البعيدة منها ثمانينا ميلا، و توجد حول نقاوس سهول تصلح كلها لزراعة القمح و السكان أغنياء أمناء و كرماء لباسهم لائق كلباس سكان بجاية و للجماعة دار أعدوها ملجأ لأواء الغرباء، و مدرسة للطلاب يتكفلون بلباسهم و يتحملون نفقاتهم، و جامع ہءيح ، جدا فيه كل ما يحتاج اليه، و النساء جميلات بيض البشرة سود الشعر اللامع أنهن يترددن على الحمام، ويعتنين بأنفسهن . لا تشتمل الدور في مجملها إلا على طابق أرضي لكن ذلك لا يمنع من كونها أنيقة بهيجة لأن لكل واحد منها حديقة مليئة بمختلف الأزهار و خاصة الورد الدمشقي و الآس والبنفسج و البابونج و القرنفل .. و غيرها من الأزهار المماثلة لها في البهاء و لجميع الدور تقريبا سقاياتها الخاصة و الجانب الاخر من الحديقة كروم معروشات جميلة تعطي أيام الصيف ظل ظليلا ممتعا جدا، كثير البرود و النعم حول الجزء المغطى من المسكن ، بحيث أن من يرد على نقاوس يأسف على مغادرتها لفرط ظروف أهلها و حفاوتهم ) و هو ما ولد لدي نكهة البحث أكثر لاخراج و شم هذه المدينة الضاربة جذورها في عمق التاريخ آملا أن تكون هذه الدراسة إضاءة تاريخية و مرجعا للدارسين و المهتمين بالتراث التاريخي و الأثري للمنطقة نظرا للخلط و التزييف الذي تعتمده بعض الأقلام حتى و إن كان أحيانا عن غير قصد عند تطرقها لتاريخ نقاوس. و هنا بودي أن أشير إلى هذه المعلومة التاريخية التي تزودنا بها مؤخرا الدكتور محمد الصغير غانم خلال ماتقى بلزمة عبر العصور الذي جرى بمدينة مروانة سنة 1992 و التي تفيد بأن : (نقاوس حلت مكان مدينة قديمة "نسيف" NICIVES كانت توجد منطقة وجدت بها قبيلة تحمل اسم "نسفبيس" NICIVE-BUS و قد أشير إلى القبائل النقيفية في كتابات مؤرخ الروماني "بلين" عند تعرضه لافريقيا و نفس الاسم أشار إليه "بطليموس" ). و الرحالة حسن الوزان أوردها أيضا بقوله : (هي نسيبوس الرومانية المعرفة باسم "نسيفيبوس" و دعاها العرب "نيكاؤوس" فصارت "نكاوس" و لا تبعد عن البحر المتوسط إلا بنحو 160 كلم و لا عن مسيلة بـ 48 كلم بل أربعين ميلا فقط). و قد ذكرت نقاوس أو "نكاوس" كما ورد في كتابة اسمها في بعض الكتابات التاريخية بأنها ضمن مقاطعة نوميديا الرومانية. و يعتقد أن نقاوس NICIVE لم تتجاوز حدودها الشرقية – لامصبة- أي مروانة حاليا، أما حدودها الجنوبية الغربية خلال القرن الثالث فتصل إلى طبنة و قد أشير إلى مركزها الأسقوني في المجتمع الديني بقرطاجة و ذلك سنة 1411 ميلادية. و يلاحظ بأن نقاوس كانت قد حفظت على مكانتها الهامة من حيث الثروة و الغنى و ذلك حتى بعد الفتوحات العربية، يصفها اليعقوبي بأنها مدينة مزدهرة و ذلك لخصوبة أراضيها الفلاحية و حدائقها الغناء أما "ابن حوقل" فيشير اليها تحت اسم "نكاوس" و يصفها هو الآخر بأنها مدينة واسعة محاطة بسور بنيت جدرانه بحجارة قديمة و غير مقلمة ، و حولها أرض تسقى و عدد كبير من البساتين. وغير أن "الادريسي" في كتابه "وصف افريقيا و الأندلس" طبعة دوزي (بأنها مدينة صغيرة محاطة بالأشجار المثمرة). في حين يذكر الرحالة "شو" SHAW نقاوس مشيرا إلى البقايا الأثرية التي تتوفر بها أثناء زيارته لها ثم يصف الأعمدة و التيجان و الحجارة المقلمة التي استغلها السكان في بناء بيوتهم عن عدم وعي بالحضارة التي تمثلها تلك البقايا.
9/7/2010
ما رأيك في الموقع ؟